"هناك نوعان من الأشخاص في هذا العالم، و لا أحبّ كلاهما." الجوكرتكرّر ظهور شخصيّة الجوكر في العديد من الأفلام المشهورة . وجسّدته العديد من الكتب و الأفلام على أنّه غير متوقّع و متعطّش للدم و معتلّ نفسي مجنون. ويكشف لنا فيلم الجوكر الذي تمّ عرضه سنة 2019 نفسيّة هذه الشّخصيّة بدقة أكبر كما يُفصح عن مواقفه الفلسفيّة إزاء الحياة و المجتمع الحديث.
يتطرّق هذا المقال إلى الجانب النفسي و الفلسفي لشخصيّة الجوكر بالإعتماد على علم النفس وفقا لكارل يونغ و الأفكار الفلسفيّة لآلبير كامو.
يعيش آرثر، أو ما يعرف بالجوكر، مع أمّه المريضة بيني فليك التي كان يعتني بها جيّدا وأثبتت هي بالمقابل طيبة شخصيّته. يبرز الفيلم أنّ آرثر فخور بأنّه شخص جيّد بحقّ، و أنّ هدفه في الحياة هو أن يرسم إبتسامة على وجوه الناس في هذا العالم البارد و القاسي الذي نعيش فيه. علّمته أمّه أيضا أن يرسم إبتسامة على وجهه في مواجهة العالم الخارجيّ. يعمل آرثر كمهرّج ليسلّي الأطفال و يحلم أن يصبح كوميديّا ناجحا. لذا نشأ آرثر على إرضاء النّاس و تسليتهم، و تمحورت حياته حول خدمة الناس، فأهمل إحتياجاته الخاصّة. كان دائما يتخيّل جمهورا يحبّه، و أصبح قبول الناس بالنسبة له مسألة حياتيّة. وفيما بعد نشأ وحش بشع داخل آرثر جراء ذلك لكنّه لم يكن واعيا بذلك الأمر. تبرز أجزاء من هذا الوحش أحيانا في شكل ضحكة لا يسيطر عليها. ورغم أنها صُنّفت كنوع من الأمراض، إلا أنه أخبر أمّه فيما بعد أنّها ليست كذلك بل هي جزء من شخصيّته.
وقد تدارس عالم النفس السويسري كارل يونغ ظاهرة "الظلّ". والتي تتمثل في مجموعة من السمات الشخصيّة غير المحبوبة من الشخص نفسه أو من المحيط أو من الإثنين معا، لذلك تكون هذه السّمات مخفيّة في اللاوعي. يقول يونغ بأنّ كل إنسان يحمل داخله ظلّا، لكن كلما قام الفرد بكبح و كتم ذلك الجزء، يصبح أعظم و أكثر شرّا.
يرمز وجه آرثر المهرّج إلى شخصيّته الخارجيّة وهي الشخصيّة التي يكشفها لمحيطه، في حين أنّ الضحكات التي لا يتحكّم بها تعتبر علامات واضحة على وجود الظلّ داخله، لكنّه لا يعي وجوده، و كان يرى أنّه شخص جيّد إلى أن ابتاع سلاحا نتيجة لضربه من قبل بعض الأشخاص. عندما هجم عليه ثلاثة رجال في قطار أنفاق، قتل آرثر اثنان منهما دفاعا عن نفسه وهو متنكر في زي مهرّج ثم لاحق الآخر و قتله هو كذلك. و عند ذلك النقطة إكتشف مدى الشرور التي كان مستعدا لممارستها، و أنّه ليس جيّدا كما أخبرته أمّه، بعد أن قضّى حياته يعيش على الصورة التي رسمتها له أمّه متجاهلا كلّ ما كان يتكوّن داخله من ظلام.
أما فيما يتعلّق بعلاقة آرثر بأمّه، يمكننا أن نقول أنّها تتطابق مع نموذج "الأمّ الملتهمة" ليونغ. تتغذّى الأمّ الملتهمة على أطفالها لأنّهم يثبتون دورها كأمّ. وتسيطر عليهم بطريقة لا تسمح لهم بأن يغادروا رحمها أبدا فلا يتمكنون من تكوين شخصيّاتهم الخاصة. وبغض النظر عن العنف الأبوي الذي تعرّض له كطفل، لم يغادر آرثر أمّه، و يمكننا أن نرى أحيانا أجزاء من ذلك الطفل الذي يبحث عن الأب.
أدت عمليّة القتل التي نفذها إلى إنفجار في وسائل الإعلام و أحدثت صدى كبيرا كان يكبر في منطقة فقيرة من مدينة غوثام ممّا أنتج تظاهرات و إحتجاجات عنيفة مع شعار "أقتل الغنيّ".
قتل المهرّج المجهول الأغنياء الذين عملوا لدى طبيب معروف و إنساني و والد لباتمان، توماس واين، الذي يعتبر بطلا للمهمّشين إقتصاديا في المدينة.
لاحظ يونغ خطر الظلال الجماعية خلال الثورة النازيّة في ألمانيا قائلا:" تغيّر الشخصيّة الذي نتج عن إندفاع القوات المتحدة مدهش. يمكن أن يتحول شخص طيب و عقلاني إلى مجنون و وحش بربري. يميل الشخص دائما إلى إلقاء اللوم على الظروف الخارجية لكن لا يمكن أن يتفجر شيء داخلنا إن لم يكن موجودا في البداية."
لا يبدو آرثر كشخص يُكنّ الكراهية للأشخاص الأثرياء بالذات، بل هو فقط لا يحتمل حقيقة كون الناس قساة تجاه بعضهم البعض هذه الأيام، و قد إعترف فيما بعد أن ذلك هو السبب الذي جعله يقتل ثلاثة أشخاص في القطار، و زميله السابق، و مقدم البرنامج موراي فرانكلن ليصبح بطل الظل الجماعي فيما بعد. لا يصل آرثر إلى مرحلة التشخّص أبدا و بذلك تغلّب عليه ظلّه لأنه لم يكن واعيا بوجوده أصلا، و تمكّن ذلك الظل من النمو، و أصبح أقوى منه، و خرج عن سيطرته مما أنتج شخصية الجوكر. لكننا نرى لحظات قصيرة من الوعي الذاتي خلال تحوّله، و يبدو أنه يختبر ظهور الظل و خروجه إلى السطح كصورة لشخصيته الحقيقية. آرثر شخص متوهّم و مريض نفسي وقد اصبح هذا واضحا في تواصله مع جارته صوفي دوموند التي كانت مجرد أوهام لآرثر. يمكن أن يكون ذلك قد نشأ نتيجة شعوره بالوحدة العميقة و رغبته في الصحبة. لكنه عندما إكتشف ذلك أصبح واعيا بوجود مشكلة في عقله. لكن الصدمة الأولى التي واجهها هي معرفة الحقيقة عن أمه التي تبيّن أنها كانت على علاقة مع توماس واين في الماضي و صرّحت بأن آرثر هو إبنهما غير الشرعي. لذلك غضب آرثر من أمه و واجه توماس واين الذي أخبره حقيقة كونه متبنيا. عندما علم آرثر بما فعلته أمه قتلها. وقال بعدها بأنّه إعتقد أن حياته كانت مأساة إلا أنه أدرك الآن بأنّها كوميديا. في تلك اللحظة، إندمج مع هويّة الجوكر و تحوّلت رؤيته للعالم من فاعل خير لإسعاد الناس إلى تقبل الحياة على أنّها لا شيء سوى عرض كوميدي.
آمن الفيلسوف الفرنسي الجزائري آلبير كامو أنّ الحياة عبثيّة. وإستنتج آرثر نفس الشيء قائلا بأنّ الأشخاص الثلاثة الذين قتلهم في القطار و الذين يعملون لدى توماس واين سبّبوا ضجّة في المدينة لدرجة أنه إن قُتل لن يلاحظ ذلك أحد. يرى آرثر بأنّ هذه أشياء يحددها المجتمع، و أنّنا نحكم على بعضنا البعض وفقا لإطار حدده العقل البشري بينما هو قانون غير كوني بل من صنع الإنسان، لذا لا يمكن الإعتماد عليه. فتلقيب الناس بالمهرجين لمجرد تصرفهم بطريقة مختلفة أمر عبثي. لذا يستنتج الجوكر أن النظام الحالي للآداب و الأخلاقيات غير منطقي و بأنه سيحدد بنفسه الأشياء الجيدة من السيئة. بهذا رقّى نفسه لمستوى القاضي الذي يشعر بأن قتل الأشخاص السيئين مبرّر.

إرسال تعليق