الإدراك الذّاتي في علم النفس


"إدراكك لذاتك هو أكبر خدمة يمكن أن تقدّمها إلى العالم."رامانا ماهارشي
في العصر الحالي، هناك الكثير من الفرص المتاحة لنا لنتهرّب من مشاكلنا النفسيّة بإستعمال المواد المخدّرة و الأكل و القمار و الكثير من الحلول الوقتيّة الأخرى. و إن لم تساعدنا هذه الأشياء، نستعين بطبيب ليساعدنا على الحصول على الأدوية. المشكلة هي أنّ هذه الحلول الوقتيّة تخدّر إحساسنا بهذه الأعراض التي تعود في أغلب الأحيان بعد فترة قصيرة أقوى من السابق. لحسن الحظ، هناك طرق أخرى لنحيط بذاتنا و نعالجها لكي نتحرّر من قيود "العُصاب" و نصل إلى القوّة الكاملة.
يتطرّق هذا المقال إلى الأفكار و الطّرق النّفسيّة لمعرفة و إدراك الذّات.
.العُصاب
رأت المحلّلة النفسيّة  كارن هورناي أنّ العُصاب هو العائق الأساسي أمام إدراك الذّات. لكي يعيش الإنسان في أفضل قواه، عليه أن يتغلّب على العُصاب و يواجه المشاكل النّفسيّة التي تعيقه و تمنعه من التطوّر الحقيقي لذاته.
قليلا ما تُستعمل كلمة "عُصاب" في علم النّفس الحديث. لذا يمكننا أن نتحدّث أيضا عن الأعراض التي تشمل العصاب كالقلق، و الإكتئاب، و الإنفعاليّة، و إضطراب الوسواس القهري، و الخوف المرضي بأنواعه. يمكن أن يُلخّص العُصاب على أنّه طريقة غير فاعلة للتّعامل مع مشاكل الحياة. وصفتها هورناي على أنّها طريقة منحرفة و مشوّشة للنّظر إلى العالم و الذات، فهي تؤدّي إلى مجموعة من الإحتياجات القهريّة تمنع الفرد من الإدراك و التّعامل مع العالم بطريقة حقيقيّة و واقعيّة. حسب هورناي، يكافح الشّخص السّليم  و يجتهد من أجل الوصول إلى الوعي و الإدراك الذّاتي. الإدراك الذّاتي بإختصار هو تحوّل يتطلّب رؤية واقعيّة للقدرات الشخصيّة، و أهدافا تتماشى مع سعي الفرد للحصول على الوعي الكامل للذات.
إعتبر الطبيب النّفسي السويسريّ كارل يونغ أيضا أنّ الإدراك و الوعي الذاتي  أو ما يسمّى أيضا ب"التفرّد" أنّه الهدف الأساسي في الحياة. لكنّ الشخص العُصابيّ ينشغل بأساليب قهريّة و غير فاعلة للتّعايش و التكيّف، و بالتّالي لا يُبقي لنفسه مجالا للإدراك الحقيقي لذاته.
إذا قبل أن نمرّ إلى طرق تحويل العُصاب إلى الإدراك الذاتي لنتأمل هذا السؤال:
كيف يصبح الشّخص عُصابيّا؟
إستنتجت هورناي أّنّ العصابيّة تنتج عن تجارب الطفولة، لأنّ شخصيّاتنا تتكوّن وفقا للظروف الإجتماعيّة و الثقافيّة المحيطة بنا. كأطفال نحتاج إلى مقدار معيّن من الحنان و الأمان و الحبّ لكي تتطوّر شخصيّاتنا بطريقة صحيّة لا نعتمد فيها على طرق متطرّفة لنتعايش. هذا يأخذنا إلى ما تسمّيه هورناي ب"المقاومة الأساسيّة" و "القلق الأساسي" فهذين الظرفين يطغيان على الطرق التي يتعامل بها الفرد المنفعل مع حياته اليوميّة.
إذا لنتحدّث عن هذه الأساليب السلبيّة في التّعايش و عمّا يسمّى ب"الإحتياجات العُصابيّة".
.الإحتياجات العصابيّة
نطّور في حياتنا العديد من آليات التّعايش فيما يتعلّق بالتّعامل مع الناس . قسّمت هورناي هذه الآليّات إلى ثلاثة أصناف تعرف أيضا بالتيارات العصابيّة الثلاثة وهي:
1.الإتجاه نحو الناس.
2.الإتجاه عكس الناس.
3.الإبتعاد عن النّاس.
هذه الآليات عاديّة و يستخدمها الجميع في التعايش إلى حدّ ما. ما يجعل هذه الآليّات سلبيّة هو الإستخدام المفرط لإحداها أو كلّها، وهو ما يشير إلى أنّ الشخص عُصابيّ.
يؤدّي تكرار إستخدام نفس آليّات التعايش الغير فاعلة باستمرار إلى الوقوع و العلق في حلقة مفرغة. في كتابها" تحليل الذات"، حدّدت هورناي سلسلة من "الإحتياجات العُصابيّة" تنتمي كلّها إلى إحدى الأصناف الثلاثة من آليّات التّعايش. 
1.الحاجة للحنان و الإستحسان
أحد هذه الإحتياجات العُصابيّة هي "الحاجة للحنان و الإستحسان" و تنتمي إلى صنف "الإتجاه نحو الناس". لا خطأ في أن يحتاج الفرد إلى الحنان و الإستحسان لدرجة ما، لكنّ الشخص العصابي يتوق إليها بطريقة تدميريّة لذاته.
الأشخاص ذوي هذا النوع من الإحتياج حسّاسّون جدّا للنقد و الرّفض، و يجعلون من "إرضاء الناس" و "الرّغبة في تلقّي الإعجاب من الناس" مركزا لعالمهم ممّا يجعلهم عرضة للإستغلال و الإحتقار طبعا. في الحقيقة، أساس هذه الحاجة هو القلق و الخوف من الإقصاء و الوحدة.
2.الحاجة إلى السّلطة
تنتمي الحاجة العصابيّة "للسّلطة" إلى صنف "الإتّجاه عكس النّاس". يتّجه السّاعون وراء السلطة عكس النّاس لكي يكتسبوا قدرة التحكّم. غالبا ما يحتاجون إلى التنافس و الإستغلال و الإنتصار لكي يوجّهوا محيطهم لصالحهم. يخاف هذا النوع من الأشخاص من العجز، و عدم الكفاءة و الأهليّة، و عدم الإستحقاق، و التّقصير. يعزّز هذا الخوف حاجتهم إلى التحكّم و حماية الذّات و الحيازة.
3.الحاجة إلى حفظ الذّات
يمكن أن تظهر "الحاجة العصابيّة" التي تنتمي إلى صنف "الإبتعاد عن الناس" في الحاجة إلى حفظ الذّات و الإستقلاليّة. يميل هذا النوع من الأشخاص إلى الإبتعاد عن الناس لكي يخفضوا نسبة فرص التعرّض للأذيّة من قبلهم، فينعزلوا عن العالم الخارجيّ.
لا خطأ في أن يرغب المرء في الإنعزال بل يمكن أن تؤدّي تقضيته الوقت مع ذاته إلى النموّ و التطوّر الذاتي. لكن قد يكون الإنعزال المفرط علامة على عُصابيّة هذا الشخص. حسب هورناي، السبب وراء علق الأشخاص العصابيّين فيما يتعلّق بالإدراك الذاتي هو إمتلاكهم لإحصار فكري بسبب رغبتهم في المثاليّة و الوصول إلى الكماليّة. بالنسبة للشخص العصابي، الإدراك الذّاتي يعني تحقيق الذات المثاليّة. تظهر هذه المثاليّة في تطبيقه للتيّارات العُصابية الثلاثة. 
سيتصرّف الشخص المناشد للكماليّة "المتّجه نحو الناس" بإنصياع و خضوع و يحاول أن يلقى إستحسانهم و قبولهم عن طريق إرضائهم.
يصرّ الرّواقيّون على أنّ المشكلة من إتّخاذ هذا السلوك هو عدم قدرتنا على التحكّم بالعالم من حولنا بما فيهم طريقة تفكير الناس، لذا من المستحيل أن نجعل جميع الناس يعجبون بنا.
يبحث الشخص المناشد للكماليّة "المتجه عكس الناس" عن العظمة و الشّموخ و إن كان ذلك على حساب الناس الآخرين. يريد أن يكون في القمّة لكي يعجب به الناس، و يكون الأفضل دائما، لكنّ العظمة وقتيّة. حتّى إن وصلنا إلى القمّة فهي مسألة وقت فقط قبل أن يتمّ إستبدالنا. تلقّي إستحسان و إعجاب الآخرين أمر وقتيّ و خارج عن تحكّمنا أيضا. لذا، إن سمحنا بأن تعتمد قيمتنا الشخصيّة على التقبّل الخارجيّ نجد أنفسنا في وضع غير مستقرّ.
يرغب الشخص المناشد للكماليّة "المبتعد عن الناس" أن يكون حكيما و مكتفيا ذاتيّا و هذا شيء يفوق قدرة البشر. فهو هدف يستحيل الوصول إليه، لأنّ الإنسان بطبعه إعتمادي و متعلّق بالعالم المحيط به، ففي مواقف عديدة، نحتاج إلى الدّعم من الآخرين و نحتاج إلى العمل معا لنمضي قدما.
يختبر الأشخاص العُصابيّون فجوة بين ذواتهم الحقيقيّة و ذواتهم المثاليّة يستحيل الربط بينهما تقريبا. لذلك يحدّد هذا النوع من الأشخاص أهدافا غير واقعيّة متبُوعة بفشل متناسب، و يعلقون في حلقة مفرغة من عقلية الضحيّة وعدم الإحساس بالمسؤوليّة.
تقول هورناي أنه ليستطيع الفرد تخليص نفسه من هذه الحلقة المفرغة عليه أساسا أن يكون صادقا مع نفسه بخصوص إمكانيّاته و يكون نشيطا، و إنتاجيّا، و ألا يحمّل الآخرين أو يلومهم على أخطائه، و يتحمّل مسؤوليّة نفسه كاملة.
إليك بعض الخطوات العمليّة التي ستقودك نحو الإدراك الذاتي.
1.إكتشف ذاتك
الخطوة المنطقيّة الأولى للإدراك الذّاتي هي تحديد الذات الحقيقيّة و الآنيّة بكلّ تفاصيلها بصدق تامّ. يكون الأشخاص العُصابيون غالبا في حالة إنكار، و يمنعهم  إحساسهم المزيّف بالفخر و التنافر الإدراكي أو ما يعرف بالشعور بعدم الرّضا من رؤية حقيقة ذواتهم. في الواقع، من المستحيل أن يدرك الفرد ذاته دون أن يتقبّلها، و من المستحيل أن يتقبّل ذاته إذا كان يرفض أن يرى حقيقته بما تتضمّنه من جوانب إيجابيّة و سلبيّة. لحسن الحظ، هناك طرق عديدة ليكتشف الإنسان ذاته كزيارة أخصّائي نفسي. أيضا، ليساعد نفسه على إدراك مشاعره و أفكاره و يتخلّص من أوهامه المتعلّقة بذاته و أهدافه، يمكنه أن يمارس التأمّل و التدوين في دفتر اليوميّة .
2.إخلق الظروف المناسبة
عندما نفهم ذواتنا جيّدا و نرى جميع جوانب شخصياتنا، يمكننا أن نحدّد الظروف المناسبة لتطوير ذواتنا. يمكن أن نحقّق الإزدهار فقط إن كنّا نعيش في توافق مع طبيعتنا و طبيعة الكون. نتعلّم من معرفة ذواتنا طبيعة ذواتنا و مدى ترابطها مع العالم، و نتبيّن الظروف المناسبة لنا لنتمكّن من الإزدهار. يمكن أن يزدهر الشخص الإنطوائيّ مثلا عندما يكون وحيدا، أمّا الشخص الإنبساطي فيزدهر في إطار إجتماعي. كذلك يزدهر الشخص العُصابي عندما يفهم و يعي ذاته جيّدا.
3.إسعى وراء الأشياء الصحيحة
قد نرغب في أن نسير مع التيّار و نتفادى الطرق التي تتطلب جهدا و مقاومة، لكن هذا لا يعني أن نرضى بالقليل و المتوسّط، بل أن نبدع و نتقن الخصال التي نمتلكها من السابق. أن ندعم و نصقل نقاط قوّتنا أفضل من أن نكون في تغيير و إصلاح مستمرّ لذواتنا. لكن، علينا من وقت لآخرأن نتبنّى و نطوّر ميزات جديدة لا نمتلكها و لا نميل إليها. كأن يطوّر الأشخاص العصابيّون، الذين يميلون إلى التّواري عن أنظار الناس، مهاراتهم الإجتماعيّة، و أن يطوّر، من يميل إلى الإستغلال و السيطرة لمصلحته الخاصّة، التّعاطف و التّواضع. جزء كبير من رحلتك نحو إدراك ذاتك هو صناعة طريقك الخاص في الحياة لا إستعمال طرق قديمة جاهزة.
الإدراك الذّاتي ببساطة هو مواجهة المخاوف، و تغيير العادات، و إتّخاذ طرق غير إعتياديّة في التعامل مع الحياة، و إرتكاب الأخطاء خلال القيام بذلك.
، تحفيز
مايو 19, 2020
0

تعليقات

البحث

الأكثر قراءة خلال السنة

18 علامة تدل على أنك على علاقة  بما يسمى "التوأم الشعلة"

هناك سوء فهم كبير لما يسمى بعلاقة "التوأم الشعلة" و ماهي فعلا.…

اكتشف 6 كتب ملهمة عن الثقة في النفس (تحميل مجاني PDF )

اكتشف 6 كتب ملهمة عن الثقة في النفس (تحميل مجاني PDF ) اكتشف 6 كتب ملهمة …

15 مهارة سوف تؤتي ثمارها إلى الأبد!

"لا يمكنك أن تحلق دون معرفة ومهارات." - ويلبور رايت لقد جمعنا لك …

7 أشياء مضيعة للوقت لا يقوم بها الناجحون!

'إن لم تحقق حلمك سينتدبك أحدهم لتساعده على تحقيق حلمه.' - توني غ…

14 نصيحة لحياة طويلة من طبيب ياباني عاش لمدة 106 سنة !

"استمع إلى الطبيب الذي يعرف." الدكتور شيجياكي هينوهارا ليس طبيبً…

اكتشف مكانك في سلّم الوعي !! 17 مستوى للوعي حسب مقياس هاوكينز

قسّم الباحث النفساني ديفيد هاوكينز مراحل الوعي لدى الإنسان من 1…

9 مؤشّرات تكشف لك عن شعلتك التوأم Twin Flame

يُقال اللحظة التي تلتقي فيها بشعلتك التوأم هي اللحظة التي تبدأ فيها…

7 مشاعر غريزية يجب عليك الاستماع لها دائما !

"ثق في حدسك. تعتمد الحدس عادةً على حقائق يتعامل معها العقل اللاواعي. …

8 كتب رائعة يجب أن تقرأها قبل سنّ الثلاثين!

ما رأيكم في بعض الكتب   الرائعة التي ستغيّر حتما مجرى حياتكم و طريقة ا…

اشهر طبيب نفسي يكشف عن 22 قاعدة في الحياة ستغير حياتك 180 درجة

ميخائيل ليتفاك هو أحد أشهر علماء النفس والمعالجين النفسيين في العالم، وهو…