عن أيّ ألم تتحدثون
قصة قصيرة بقلم مروان زيديني
استيقظت دعاء من نومها، على صوت خافت يشبه التمتمة يأتي من الغرفة التي تنام بها والدتها، نزلت من سريرها وخرجت من غرفتها بإتجاه مصدر الصوت دون ان تحدث أي ضجيج.
عندما اقتربت من الغرفة، أدركت أنه صوت والدتها وهي تلهج بالدعاء (يا ربي أسمعنا خبرا مفرحا). عندها اطمانت وعادت أدراجها متمتمة هي الأخرى بكلمات ترجو من الله ان يتقبل منها ومن والدتها.
وقبل أن تدخل غرفتها، لاحظت ضوءا خافتا في مكتب والدها، يبدو انه لم ينم هو الآخر.
عندما عادت دعاء إلى سريرها سمعت منها وشوسة خافتة طغت عليها نبرة حزن فلم أستطع فهم الكلمات.
كنت أنا البالغ من العمر تسع سنوات، ممدّدا على سرير آخر في طرف غرفة أختي دعاء.
وقبل أن تدخل غرفتها، لاحظت ضوءا خافتا في مكتب والدها، يبدو انه لم ينم هو الآخر.
عندما عادت دعاء إلى سريرها سمعت منها وشوسة خافتة طغت عليها نبرة حزن فلم أستطع فهم الكلمات.
كنت أنا البالغ من العمر تسع سنوات، ممدّدا على سرير آخر في طرف غرفة أختي دعاء.
دعاء تبلغ من العمر اثنين وعشرين ربيعا، مضاف إليهم خريف آخر وبالتالي بلغت الثالثة والعشرين منذ أيام.
خريف أطل على جميع ربوع الوطن، منذ سنة ومازال مستمرا؛ حرب أهلية نعيشها، لا بل هي التي تعيشنا وتجعل من حياتنا يوميات لها.
هنا الكل يحارب الكل، والكل ضد الكل...السلاح في كل مكان والفوضى تعم، لتجعل من كلمة وطن تاريخا لاحاضرا.
وهم الحكم وإغواء السلطة؛ إبتلعا ضمائر الناس.
الشمال تحت سيطرة مجموعة من المسلحين مدعومين من الغرب، والجنوب تحت رحمة تنظيم مسلح آخر مدعوم من الشرق، ومابينهما قطعة أخرى من فوضى الوطن تحت سيطرة ماتبقى من نظام الدولة، وهو أيضا مدعوم من جهة أخرى لا يعرف ماهيتها تحديدا إلا القليل، ولست واحدا منهم...
هنا الكل يؤمن بأنه على حق، وبأنه بالحكم والسيادة هو الأحق.
يوميات حياتنا نقضيها بين اللهث وراء جمع أقل مايمكن من ضروريات الحياة، وبين الإطلاع على أخبار ماتبقى من وطن...
لقد غيرت الحرب التي لانعلم كيف غزتنا، حياتنا؛ لكن ماقلب حياة أسرتنا أمر آخر هو إحد تفاصيل هذه الحرب.
كنا ثلاثة إخوة، أنا أصغرهم ثم دعاء وأكبرنا أخي سالم، شاب قارب إكمال العقد الثالث من عمره، أبيض البشرة أسود الشعر والحاجبين، عريض المنكبين؛ تقول له أمي أنه أكثر جمالا من أغلب الفنانين والممثلين... كان هو فعلا القلب النابض للعائلة، فهو أكثر من يداعب ويمازح أبي وأمي ، وهو الوحيد الذي يتقاسم مع أبي جميع مصاريف المنزل. سالم يقارب الثلاثين من عمره، وكلما كلمته أمي بشأن الزواج، يخبرها بأنه لن يتزوج قبل أن تتزوج دعاء، وقبل أن يستقر ويتضح مستقبلي أنا. كان دائما مايحدّثها أيضا أن أكبر أحلامه هو أن يتمكن من إرسالها هي وأبي إلى الحج؛ فتبتسم أمي وتخبره بأنها راضية عنه.
يعمل سالم سائق شاحنة ثقيلة، منذ أكثر من سبع سنوات، كان يطوي كل أصقاع الوطن بشاحنته، ومنذ بداية الحرب توقف عن ممارسة عمل كهذا، فطبعا المرور والانتقال بين المناطق في مثل هذه الظروف يعتبر إنتحارا، فهواية القتل والموت منتشرة في كل مكان.
توقف سالم عن عمله ذاك منذ عام تقريبا، وقضى أكثر من ستة أشهر عاطلا عن ممارسة أي نشاط، ثم بدأت تسري أخبار عن هدنة ستوقع قريبا.
وبالتزامن مع هذه الأخبار، يتلقى أخي عرضا للعمل كسائق شاحنة لكن في إطار رقعة جغرافية صغيرة، وكان عرضا لم يستطع أن يرفضه لنفاذ ماكان معه من مال إدخره، ولأنه يدرك أنه لايستطيع أن يكون إلا سائقا فهي المهنة التي إحترفها منذ سنين.
ومرت الفترة الأولى من العمل على مايرام.
وفي ذات ثلاثاء خرج كعادته باكرا للعمل لكنه هذه المرة لم يعد.
وأصبحت حياتنا بعد ذلك أشبه بالعيش في بيت يموت فيه أحد سكانه كل يوم، وندفنه كل يوم، ونحزن لفراقه كل يوم من جديد...
صارت أمي تبكي تقريبا على مدار الساعة، لاتقطع بكاءها إلا لتصلي ثم تستأنف البكاء من جديد أثناء صلاتها.
أما أبي فقد قضى الفترة الأولى بعد غياب سالم، هائما يخرج صباحا ليعود ليلا، هائما يبحث، ويسأل عن سالم، سأل جميع أصحابه، بحث في مراكز الأمن المتبقية، فتش في المستشفيات، تحقق من أسماء الوفيات....نودي عدة مرات ليتثبت من جثث مجهولة أصحابها، كانت تجارب صعبة ومريرة، وهو ماجعل مظاهر اليأس تتوضح على وجهه كل يوم أكثر من ذي قبل.
سمعته يوما بعد أن انقطع عن البحث، يدعو بأن يجد سالم ولو ميتا!!! وبدا لي يومها بأنه تقبل فكرة موت أخي.
أما أختي دعاء، فكانت الأقوى في نظري، بقية صامدة، وصارت هي ربة المنزل، فأمي اعتزلت كل شيء حتى أنا، أصغر أبنائها.
رأيت الجميع يبكي، إلا هي، دائما ما أراها تواسي أبي، وترفع من معنويات أمي...
دعا أختي طالبة للطب في سنتها الأولى، لكن الحرب أوقفت كل شيء، وأجبرت الجامعة على إغلاق أبوابها، وتوقف مستقبل دعاء كما الجميع بانتظار انتهاء الحرب أو مجيء هدنة، تنعش الآمال في جميع أطراف الحياة.
لم تتوقف الحرب، لكن الهدنة أتت...أتت لتعيد نار الحياة للحياة، وقد عادت الجامعات للعمل منذ حوالي أسبوعين، بما بقي لديها من قدرة على التعليم وبما بقي من طلبة للعلم، فالكثير منهم رحل؛ إما في رحلة موت وإما في رحلة لجوء.
لكن دعاء أختي سيكون اليوم أول يوم عودة لها، بعد تلك الليلة التي بقيت ساهرة خلالها.
كان ذلك يوم سبت حين تشكل ذلك المشهد الذي تفوح منه رائحة الأمل، مشهد دعاء وهي تقوم بتجهيز نفسها للذهاب إلى الجامعة...آه كم نحن بحاجة إلى مثل هذه المشاهد وإلى مثل هكذا رائحة تفوح...الطلبة في كل مكان هم، عصب الحياة وبصيص الأمل...
وصلت دعاء إلى الجامعة، حيث التقت ما بقي من أصدقائها وزملائها هناك، وكان لأحاديثهم الكثير من الشجون، فللجميع هنا، مأساة ليرويها، هذا فقد حبيبا والآخر فقد رفيقا، وتلك فقدت وليدا، لكن أكثر ما أثر بالجميع، كان حديث أحد الطلبة الذين عادوا للجامعة منذ اليوم الأول لاستئناف الدروس، حدثهم فيه عن أول حصة في علم التشريح حضرها قبل أسبوع، كانت الجثة التي تم تشريحها، جثة شاب تظهر عليه علامات تعذيب كبير وقاس خضع له....
ثم دخل الطلبة إلى أول حصة ستحضرها دعاء، كانت حصة تجمعهم مع طبيب نفسي، قامت الجامعة ببرمجتها في محاولة لإحياء ما يمكن من حياة طلابية عادية في وطن غير عادي.
لكن دعاء أختي لم تستطع إكمال حضور الحصة؛ عندما حدثهم الطبيب عن ضرورة نسيان كل من رحل، من لجأوا ومن ماتوا؛ حدثهم عن ضرورة أن تتواصل الحياة.
سألته دعاء: ألا يعتبر هذا خيانة؟ بأن نكمل حياتنا وكأنهم لم يكونوا؟
فأجابها الطبيب، إجابة طويلة الكلمات، كثيرة التعقيد والتشعبات، أحستها دعاء مستفزة أكثر منها محفزة، فاعتذرت بهدوئها المعروف عنها وغادرت القاعة.
حين عادت إلى المنزل ، جعلتني أحس ذلك اليوم أن صورتها في ذهني كمثال للمرأة القوية كانت سوء تقدير مني، رغم أنني لم أرها تبكي حتى اللحظة...
تغيبت دعاء ليومين قبل أن تسترجع ما بقي عندها من شجاعة وأمل، وتعود للجامعة.
في صبيحة ذلك الثلاثاء ذهبت دعاء إلى الجامعة، وكان يوما، برمج فيه العديد من الحصص، وهي ضريبة إيقاف الدراسة لمدة طويلة.
ودخلت دعاء لحضور آخر حصة ذلك اليوم، كانت حصة في علم التشريح ذاك، مخصصة للوجه. لم ترد دعاء حضورها، لولا إلحاح إحدى صديقاتها وإقناعها لها بضرورة تعويض ما فات من حصص وليس إضاعة المزيد منها.
دخل الطلبة إلى تلك الغرفة المخصصة لتلك المادة. ارتدى الجميع ما يلزمه من رداء، ثم دخلوا في صمت دوافعه بين تركيز وهيبة لحظة. وبدأ الأستاذ درسه فيما الكل مركز ينصت باهتمام...
كان قلب دعاء مرتجفا، مرتعبا وكأنها تحضر لأول مرة ذلك النوع من الحصص...
بعد حديث مطول، رفع الطبيب الغطاء على وجه الجثة...
كانت آثار التعذيب بارزة على ذلك الوجه، وكان التشوه نتيجة التعذيب أكثر ما يميزه...بالإضافة إلى بشاعة الموت، كانت بشاعة التعذيب أقوى وأكبر....
تحت عينه اليمنى مثلا، يوجد أقل أثر للتعذيب، حرق بسيط، يبدوا أن أحدهم اختار أن يطفأ سيجارته هناك....
لم تنظر دعاء إلى وجه الجثة بعد، كان نظرها مصوبا نحو الحائط، لم تكن تريد أن تنظر هناك...
حين ناداها الأستاذ: آنسة دعاء، يبدو أن عقلك وتركيزك ليسا معنا اليوم...
انتفضت دعاء نحو الأستاذ بعينيها البنيتين وبنظراتها المحملة برسالة اعتذار، ثم نظرت دعاء نحو ذلك الوجه...لم تستطع أن تتحمل وخرت مغشيا عليها.
خريف أطل على جميع ربوع الوطن، منذ سنة ومازال مستمرا؛ حرب أهلية نعيشها، لا بل هي التي تعيشنا وتجعل من حياتنا يوميات لها.
هنا الكل يحارب الكل، والكل ضد الكل...السلاح في كل مكان والفوضى تعم، لتجعل من كلمة وطن تاريخا لاحاضرا.
وهم الحكم وإغواء السلطة؛ إبتلعا ضمائر الناس.
الشمال تحت سيطرة مجموعة من المسلحين مدعومين من الغرب، والجنوب تحت رحمة تنظيم مسلح آخر مدعوم من الشرق، ومابينهما قطعة أخرى من فوضى الوطن تحت سيطرة ماتبقى من نظام الدولة، وهو أيضا مدعوم من جهة أخرى لا يعرف ماهيتها تحديدا إلا القليل، ولست واحدا منهم...
هنا الكل يؤمن بأنه على حق، وبأنه بالحكم والسيادة هو الأحق.
يوميات حياتنا نقضيها بين اللهث وراء جمع أقل مايمكن من ضروريات الحياة، وبين الإطلاع على أخبار ماتبقى من وطن...
لقد غيرت الحرب التي لانعلم كيف غزتنا، حياتنا؛ لكن ماقلب حياة أسرتنا أمر آخر هو إحد تفاصيل هذه الحرب.
كنا ثلاثة إخوة، أنا أصغرهم ثم دعاء وأكبرنا أخي سالم، شاب قارب إكمال العقد الثالث من عمره، أبيض البشرة أسود الشعر والحاجبين، عريض المنكبين؛ تقول له أمي أنه أكثر جمالا من أغلب الفنانين والممثلين... كان هو فعلا القلب النابض للعائلة، فهو أكثر من يداعب ويمازح أبي وأمي ، وهو الوحيد الذي يتقاسم مع أبي جميع مصاريف المنزل. سالم يقارب الثلاثين من عمره، وكلما كلمته أمي بشأن الزواج، يخبرها بأنه لن يتزوج قبل أن تتزوج دعاء، وقبل أن يستقر ويتضح مستقبلي أنا. كان دائما مايحدّثها أيضا أن أكبر أحلامه هو أن يتمكن من إرسالها هي وأبي إلى الحج؛ فتبتسم أمي وتخبره بأنها راضية عنه.
توقف سالم عن عمله ذاك منذ عام تقريبا، وقضى أكثر من ستة أشهر عاطلا عن ممارسة أي نشاط، ثم بدأت تسري أخبار عن هدنة ستوقع قريبا.
وبالتزامن مع هذه الأخبار، يتلقى أخي عرضا للعمل كسائق شاحنة لكن في إطار رقعة جغرافية صغيرة، وكان عرضا لم يستطع أن يرفضه لنفاذ ماكان معه من مال إدخره، ولأنه يدرك أنه لايستطيع أن يكون إلا سائقا فهي المهنة التي إحترفها منذ سنين.
ومرت الفترة الأولى من العمل على مايرام.
وفي ذات ثلاثاء خرج كعادته باكرا للعمل لكنه هذه المرة لم يعد.
وأصبحت حياتنا بعد ذلك أشبه بالعيش في بيت يموت فيه أحد سكانه كل يوم، وندفنه كل يوم، ونحزن لفراقه كل يوم من جديد...
صارت أمي تبكي تقريبا على مدار الساعة، لاتقطع بكاءها إلا لتصلي ثم تستأنف البكاء من جديد أثناء صلاتها.
أما أبي فقد قضى الفترة الأولى بعد غياب سالم، هائما يخرج صباحا ليعود ليلا، هائما يبحث، ويسأل عن سالم، سأل جميع أصحابه، بحث في مراكز الأمن المتبقية، فتش في المستشفيات، تحقق من أسماء الوفيات....نودي عدة مرات ليتثبت من جثث مجهولة أصحابها، كانت تجارب صعبة ومريرة، وهو ماجعل مظاهر اليأس تتوضح على وجهه كل يوم أكثر من ذي قبل.
سمعته يوما بعد أن انقطع عن البحث، يدعو بأن يجد سالم ولو ميتا!!! وبدا لي يومها بأنه تقبل فكرة موت أخي.
أما أختي دعاء، فكانت الأقوى في نظري، بقية صامدة، وصارت هي ربة المنزل، فأمي اعتزلت كل شيء حتى أنا، أصغر أبنائها.
رأيت الجميع يبكي، إلا هي، دائما ما أراها تواسي أبي، وترفع من معنويات أمي...
دعا أختي طالبة للطب في سنتها الأولى، لكن الحرب أوقفت كل شيء، وأجبرت الجامعة على إغلاق أبوابها، وتوقف مستقبل دعاء كما الجميع بانتظار انتهاء الحرب أو مجيء هدنة، تنعش الآمال في جميع أطراف الحياة.
لم تتوقف الحرب، لكن الهدنة أتت...أتت لتعيد نار الحياة للحياة، وقد عادت الجامعات للعمل منذ حوالي أسبوعين، بما بقي لديها من قدرة على التعليم وبما بقي من طلبة للعلم، فالكثير منهم رحل؛ إما في رحلة موت وإما في رحلة لجوء.
لكن دعاء أختي سيكون اليوم أول يوم عودة لها، بعد تلك الليلة التي بقيت ساهرة خلالها.
كان ذلك يوم سبت حين تشكل ذلك المشهد الذي تفوح منه رائحة الأمل، مشهد دعاء وهي تقوم بتجهيز نفسها للذهاب إلى الجامعة...آه كم نحن بحاجة إلى مثل هذه المشاهد وإلى مثل هكذا رائحة تفوح...الطلبة في كل مكان هم، عصب الحياة وبصيص الأمل...
وصلت دعاء إلى الجامعة، حيث التقت ما بقي من أصدقائها وزملائها هناك، وكان لأحاديثهم الكثير من الشجون، فللجميع هنا، مأساة ليرويها، هذا فقد حبيبا والآخر فقد رفيقا، وتلك فقدت وليدا، لكن أكثر ما أثر بالجميع، كان حديث أحد الطلبة الذين عادوا للجامعة منذ اليوم الأول لاستئناف الدروس، حدثهم فيه عن أول حصة في علم التشريح حضرها قبل أسبوع، كانت الجثة التي تم تشريحها، جثة شاب تظهر عليه علامات تعذيب كبير وقاس خضع له....
ثم دخل الطلبة إلى أول حصة ستحضرها دعاء، كانت حصة تجمعهم مع طبيب نفسي، قامت الجامعة ببرمجتها في محاولة لإحياء ما يمكن من حياة طلابية عادية في وطن غير عادي.
لكن دعاء أختي لم تستطع إكمال حضور الحصة؛ عندما حدثهم الطبيب عن ضرورة نسيان كل من رحل، من لجأوا ومن ماتوا؛ حدثهم عن ضرورة أن تتواصل الحياة.
سألته دعاء: ألا يعتبر هذا خيانة؟ بأن نكمل حياتنا وكأنهم لم يكونوا؟
فأجابها الطبيب، إجابة طويلة الكلمات، كثيرة التعقيد والتشعبات، أحستها دعاء مستفزة أكثر منها محفزة، فاعتذرت بهدوئها المعروف عنها وغادرت القاعة.
حين عادت إلى المنزل ، جعلتني أحس ذلك اليوم أن صورتها في ذهني كمثال للمرأة القوية كانت سوء تقدير مني، رغم أنني لم أرها تبكي حتى اللحظة...
تغيبت دعاء ليومين قبل أن تسترجع ما بقي عندها من شجاعة وأمل، وتعود للجامعة.
في صبيحة ذلك الثلاثاء ذهبت دعاء إلى الجامعة، وكان يوما، برمج فيه العديد من الحصص، وهي ضريبة إيقاف الدراسة لمدة طويلة.
ودخلت دعاء لحضور آخر حصة ذلك اليوم، كانت حصة في علم التشريح ذاك، مخصصة للوجه. لم ترد دعاء حضورها، لولا إلحاح إحدى صديقاتها وإقناعها لها بضرورة تعويض ما فات من حصص وليس إضاعة المزيد منها.
دخل الطلبة إلى تلك الغرفة المخصصة لتلك المادة. ارتدى الجميع ما يلزمه من رداء، ثم دخلوا في صمت دوافعه بين تركيز وهيبة لحظة. وبدأ الأستاذ درسه فيما الكل مركز ينصت باهتمام...
كان قلب دعاء مرتجفا، مرتعبا وكأنها تحضر لأول مرة ذلك النوع من الحصص...
بعد حديث مطول، رفع الطبيب الغطاء على وجه الجثة...
كانت آثار التعذيب بارزة على ذلك الوجه، وكان التشوه نتيجة التعذيب أكثر ما يميزه...بالإضافة إلى بشاعة الموت، كانت بشاعة التعذيب أقوى وأكبر....
تحت عينه اليمنى مثلا، يوجد أقل أثر للتعذيب، حرق بسيط، يبدوا أن أحدهم اختار أن يطفأ سيجارته هناك....
لم تنظر دعاء إلى وجه الجثة بعد، كان نظرها مصوبا نحو الحائط، لم تكن تريد أن تنظر هناك...
حين ناداها الأستاذ: آنسة دعاء، يبدو أن عقلك وتركيزك ليسا معنا اليوم...
انتفضت دعاء نحو الأستاذ بعينيها البنيتين وبنظراتها المحملة برسالة اعتذار، ثم نظرت دعاء نحو ذلك الوجه...لم تستطع أن تتحمل وخرت مغشيا عليها.
★★★★★
حين وصلنا المستشفى كانت دعاء قد استيقضت، ابتسمت حين رأتنا، وعادت معنا إلى المنزل تلك الليلة.
ثم ظلت لأيام بسريرها، ترفض الأكل أو الحديث إلا ببعض الكلمات...وأخبرتنا بعدها بأنها لم تعد تتحمل دراسة الطب وأنها لن تعود للجامعة أبدا. كان قرارها نهائيا.
بعد مرور أكثر من اثنتي عشرة سنة، هاهي تجلس بجانبي في غرفتها وتروي لي هذه القصة بتفاصيلها، مازلت لم أفهم بعد وإلى هذه اللحظة، سر تركها للطب قبل سنين...و لا أفهم الآن سر بكائها الحادّ والقوي هذا الذي أصبح نحيبا وهي تحدثني الآن، وهي التي لم أرها تبكي من قبل، إلا حين قالت لي:
كانت تلك الجثة المشوهة لأخينا سالم...ولم أخبر أحدا غيرك... مازلتم تعيشون بأمل عودته يوما، ومازلت أعيش بألم صورة جثته كل يوم.

إرسال تعليق